سيد قطب

3468

في ظلال القرآن

مثلا ، فتطلع في البطن أو في القدم . مع أنها لو أخذت أخذا صناعيا فزرعت في البطن مثلا صنعت هنالك عينا ! ولكنها هي بإلهامها لا تخطئ فتذهب إلى البطن لصنع عين هناك ! ولا تذهب خلايا الأذن إلى القدم لتصنع أذنا هناك ! . . إنها كلها تعمل وتنشئ هذا الكيان البشري في أحسن تقويم تحت عين الخالق ، حيث لا عمل للإنسان في هذا المجال « 1 » هذه هي البداية . أما النهاية فلا تقل عنها إعجازا ولا غرابة . وإن كانت مثلها من مشاهدات البشر المألوفة : « نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ، وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ » . . هذا الموت الذي ينتهي إليه كل حي . . ما هو ؟ وكيف يقع ؟ وأي سلطان له لا يقاوم ؟ إنه قدر اللّه . . ومن ثم لا يفلت منه أحد ، ولا يسبقه فيفوته أحد . . وهو حلقة في سلسلة النشأة التي لا بد أن تتكامل . . « عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ » . . لعمارة الأرض والخلافة فيها بعدكم . واللّه الذي قدر الموت هو الذي قدر الحياة . قدر الموت على أن ينشئ أمثال من يموتون ، حتى يأتي الأجل المضروب لهذه الحياة الدنيا . . فإذا انتهت عند الأجل الذي سماه كانت النشأة الأخرى : « وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ » . . في ذلك العالم المغيب المجهول ، الذي لا يدري عنه البشر إلا ما يخبرهم به اللّه . وعندئذ تبلغ النشأة تمامها ، وتصل القافلة إلى مقرها . هذه هي النشأة الآخرة . . « وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ! » . . فهي قريب من قريب . وليس فيها من غريب . بهذه البساطة وبهذه السهولة يعرض القرآن قصة النشأة الأولى والنشأة الآخرة . وبهذه البساطة وهذه السهولة يقف الفطرة أمام المنطق الذي تعرفه ، ولا تملك أن تجادل فيه . لأنه مأخوذ من بديهياتها هي ، ومن مشاهدات البشر في حياتهم القريبة . بلا تعقيد . ولا تجريد . ولا فلسفة تكد الأذهان ، ولا تبلغ إلى الوجدان . . إنها طريقة اللّه . مبدع الكون ، وخالق الإنسان ، ومنزل القرآن . . ومرة أخرى في بساطة ويسر يأخذ بقلوبهم إلى أمر مألوف لهم ، مكرر في مشاهداتهم ، ليريهم يد اللّه فيه ؛ ويطلعهم على المعجزة التي تقع بين أيديهم ، وعلى مرأى من عيونهم ، وهم عنها غافلون : « أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ؟ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ؟ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ » . . هذا الزرع الذي ينبت بين أيديهم وينمو ويؤتي ثماره . ما دورهم فيه ؟ إنهم يحرثون ويلقون الحب والبذور التي صنعها اللّه . ثم ينتهي دورهم وتأخذ يد القدرة في عملها المعجز الخارق العجيب . تأخذ الحبة أو البذرة طريقها لإعادة نوعها . تبدؤه وتسير فيه سيرة العاقل العارف الخبير بمراحل الطريق !

--> ( 1 ) يراجع تفسير قوله تعالى : « وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى » في سورة النجم بهذا الجزء .